صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
2646
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وقال الجرجانيّ : الصّوم في الشّرع عبارة عن إمساك مخصوص وهو الإمساك عن الأكل والشّرب والجماع من الصّبح إلى المغرب مع النّيّة « 1 » . حقيقة الصوم : قال ابن القيّم - رحمه اللّه - ( في الصّوم ) : هو لجام المتّقين ، وجنّة المحاربين ، ورياضة الأبرار والمقرّبين ، وهو لربّ العالمين من بين سائر الأعمال ، فإنّ الصّائم لا يفعل شيئا ، وإنّما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده ، فهو ترك محبوبات النّفس وتلذّذاتها ؛ إيثارا لمحبّة اللّه ومرضاته ، وهو سرّ بين العبد وربّه لا يطّلع عليه سواه ، والعباد قد يطّلعون منه على ترك المفطرات الظّاهرة ، وأمّا كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطّلع عليه بشر ، وتلك حقيقة الصّوم . وللصّوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظّاهرة ، والقوى الباطنة ، وحمايتها من التّخليط الجالب لها الموادّ الفاسدة الّتي إذا استولت عليها أفسدتها ، واستفراغ الموادّ الرّديئة المانعة لها من صحّتها ، فالصّوم يحفظ على القلب والجوارح صحّتها ، ويعيد إليها ما استلبته « 2 » منها أيدي الشّهوات ، فهو من أكبر العون على التّقوى ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة / 183 ) « 3 » . مراتب الصوم : وللصّوم ثلاث مراتب : صوم العموم ، وصوم الخصوص ، وصوم خصوص الخصوص . فأمّا صوم العموم فهو : كفّ « 4 » البطن والفرج عن قضاء الشّهوة . وأمّا صوم الخصوص : فهو كفّ النّظر ، واللّسان ، واليد ، والرّجل ، والسّمع ، والبصر ، وسائر الجوارح عن الآثام . وأمّا صوم خصوص الخصوص : فهو صوم القلب عن الهمم « 5 » الدّنيئة ، والأفكار المبعدة عن اللّه تعالى ، وكفّه عمّا سوى اللّه تعالى بالكلّيّة « 6 » . وأفضل صوم التّطوّع : صوم داود - عليه السّلام - كان يصوم يوما ويفطر يوما . ومن أسرار ذلك النّوع من الصّيام : أنّ النّفس تعطى يوم الفطر حظّها ، وتستوفي في يوم الصّوم تعبّدها ، وفي ذلك جمع بين مالها وما عليها . وهو العدل . وإنّما سمّي الصّيام صبرا ؛ لأنّ الصّبر في كلام العرب الحبس ، والصّائم يحبس نفسه عن أشياء جعل اللّه تعالى قوام بدنه بها . وقال الغزاليّ في الإحياء : اعلم أنّ في الصّوم خصيصة ليست في غيره ، وهي إضافته إلى اللّه - عزّ وجلّ - حيث يقول سبحانه في الحديث القدسيّ : « الصّوم لي وأنا أجزي به » . وكفى بهذه الإضافة شرفا
--> ( 1 ) مختصر منهاج القاصدين ( ص 44 ) ، والتعريفات للجرجاني ( 141 ) ، وانظر في شرح هذا التعريف الأخير كشاف اصطلاحات الفنون ( 4 / 269 ) . ( 2 ) استلبته : أخذته قهرا . ( 3 ) زاد المعاد ( 2 / 29 ) . ( 4 ) كفّ : أي منع . ( 5 ) الهمم : جمع همة وهي ما هم به من أمر ليفعل . ( 6 ) مختصر منهاج القاصدين ( 44 )